مجمع البحوث الاسلامية

161

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الاجتماعات ، يرضى بتغيير جميع أحكامه الاجتماعيّة دفعة أو تدريجا ، ولا يرضى قطّ بأن يسلب عنه وصف العدل ، ويسمّى ظالما ولا بأن يجد ظلما لظالم إلّا مع الاعتذار عنه ، وللكلام ذيل طويل يخرجنا الاشتغال به عن ما هو أهمّ منه . ثمّ عمّم معنى الحسن والقبح لسائر الحوادث الخارجيّة الّتي تستقبل الإنسان مدى حياته . على حسب تأثير مختلف العوامل ، وهي الحوادث الفرديّة أو الاجتماعيّة الّتي منها ما يوافق آمال الإنسان ، ويلائم سعادته في حياته الفرديّة أو الاجتماعيّة ، من عافية أو صحّه أو رخاء ، وتسمّى : حسنات ، ومنها ما ينافي ذلك كالبلايا والمحن ، من فقر أو مرض أو ذلّة أو إسارة ونحو ذلك ، وتسمّى : سيّئات . فقد ظهر ممّا تقدّم أنّ الحسنة والسّيّئة يتّصف بهما الأمور أو الأفعال من جهة إضافتها إلى كمال نوع أو سعادة فرد أو غير ذلك ، فالحسن والقبح وصفان إضافيّان ، وإن كانت الإضافة في بعض الموارد ثابتة لازمة ، وفي بعضها متغيّرة كبذل المال الّذي هو حسن بالنّسبة إلى مستحقّه وسيّئ بالنّسبة إلى غير المستحقّ . وأنّ الحسن أمر ثبوتيّ دائما والمساءة والقبح معنى عدميّ ، وهو فقدان الأمر صفة الملاءمة والموافقة المذكورة ، وإلّا فمتن الشّيء أو الفعل مع قطع النّظر عن الموافقة وعدم الموافقة المذكورين واحد ، من غير تفاوت فيه أصلا . فالزّلزلة والسّيل الهادم إذا حلّا ساحة قوم كانا نعمتين حسنتين لأعدائهم ، وهما نازلتان سيّئتان عليهم أنفسهم وكلّ بلاء عامّ في نظر الدّين سرّاء إذا نزل بالكفّار المفسدين في الأرض أو الفجّار العتاة ، وهو بعينه ضرّاء إذا نزل بالأمّة المؤمنة الصّالحة . وأكل الطّعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا ، وهو بعينه سيّئة محرّمة إذا كان من مال الغير من غير رضى منه ، لفقدانه امتثال النّهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه ، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحلّ اللّه . والمباشرة بين الرّجل والمرأة حسنة مباحة إذا كان عن ازدواج مثلا ، وسيّئة محرّمة إذا كان سفاحا ، من غير نكاح ، لفقدانه موافقة التّكليف الإلهيّ ، فالحسنات عناوين وجوديّة في الأمور والأفعال ، والسّيّئات عناوين عدميّة فيهما ، ومتن الشّيء المتّصف بالحسن والسّوء واحد . والّذي يراه القرآن الشّريف أنّ كلّ ما يقع عليه اسم الشّيء ما خلا اللّه - عزّ اسمه - مخلوق للّه ، قال تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الزّمر : 62 ، وقال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً الفرقان : 2 ، والآيتان تثبتان الخلقة في كلّ شيء ، ثمّ قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ السّجدة : 7 ، فأثبت الحسن لكلّ مخلوق ، وهو حسن لازم للخلقة غير منفكّ عنها يدور مدارها . فكلّ شيء له حظّ من الحسن على قدر حظّه من الخلقة والوجود ، والتّأمّل في معنى الحسن - على ما تقدّم - يوضّح ذلك مزيد إيضاح ، فإنّ الحسن موافقة الشّيء وملاءمته للغرض المطلوب والغاية المقصودة منه ، وأجزاء الوجود وأبعاض هذا النّظام الكونيّ متلائمة متوافقة ، وحاشا ربّ العالمين أن يخلق ما تتنافى أجزاؤه ،